نور الدين عتر
227
علوم القرآن الكريم
فالحروف في القرآن تصوّر ، والكلمة تصور ، والجملة ، وفنون البلاغة كذلك تصور ، وهناك من وراء ذلك أدوات وأدوات ، فهناك « تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالإيقاع . . . وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ، ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن ، والحسّ والخيال ، والفكر والوجدان . . . » . أما المادة التي تستخدم من المعاني والأشياء فهي مادة « تصوير حي منتزع من عالم الأحياء ، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة ، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات ، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة » « 1 » . ولسنا هنا أمام ظاهرة ضيقة لكي نلتمس لها الأمثلة ، ونتكلف لها الاختيار ، بل إنك حيثما قلبت الطرف في هذا القرآن وجدت فيه خصائص الإعجاز الأسلوبي عامة ، والتصوير منها خاصة . فمن التصوير بالحرف : هذه الآية الوجيزة الجامعة من سورة القلم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . هذه الآية أمدح قول يقال ، جمعت في وجازة عبارتها الفضائل العلمية والعملية ، لأن الخلق الكريم لا يتحقق في الإنسان إلا بعد معرفته ما يحسن من الأمور وما يقبح ، وما هو الأحسن ، ثم يختار الأحسن والأفضل في كل موقف ، وأمام كل مسألة ، وينفذه ، فذلك ما يقتضيه الوصف بالخلق العظيم . لكن حرف الجر « على » نقل هذا المعنى المجرد إلى صورة حسية يتخيلها المرء ، لأن هذا الحرف معناه الاستعلاء ، والاستعلاء إنما يكون على شيء مادي ، فكأن مكارم الأخلاق قد ذلّلت وانقادت للنبي صلى اللّه عليه وسلم يتصرف فيها تصرف المستعلي على الشيء المتمكن منه ، كما أنها أفادت رفعة مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنه في قمة المكارم والفضائل ،
--> ( 1 ) التصوير الفني في القرآن ص 32 .